قال ذو النون المصري* , بينما أنا في بعض سياحتي إذ مررت بشاطئ البحر , فرأيت عقرباً أسود , قد أقبل إلى أن جاء إلى شاطئ البحر , فظننت أنه يشرب فقمت لأنظر , فإذا بضفدع قد خرج من الماء , وأتاه فحمله على ظهره وذهب إلى ذلك الجانب .
قال ذو النون: فأتزرت بمئزري وعمت خلفه , حتى إذا صعد من ذلك الجانب صعدت وسرت وراءه , فما زال حتى إذا جاء إلى شجرة , فوجدت تحتها غلاماً نائماً من شد السكر "أي كان مخموراً" , قد اقبل عليه تنين* عظيم , قال فلصقت العقرب برأس التنين و لسعته فقتلته , ثم رجعت إلى ظهر الضفدعفعبر بها الماء , وسار بها إلى المكان الذي جاءت منه .
قال ذو النون المصري : فتعجبت من ذلك وأنشدت :
يا راقداً والجليل يحفظهمن كل سوء يكون في الظلم
كيف تنام العيون عن ملكيأتيك منه فوائد النعم
ثم أيقظت الغلام وأخبرته بذلك " فتاب وحسنت توبته . ثم أنشد ذو النون عمن لا يسم :
إذا لم يسألك الزمان فحاربوباعد إذا لم تنتفع بالأقارب
ولا تحتقر كيد الضعيف فربماتموت الأفاعي من سموم العقارب
فقد هد قدما عرش بلقيس هدهدوخرب فأر قبل ذا سد مأرب
إذا كان رأس المال عمرك فاحرزعليه من التضييع في غير واجب
فبين اختلاف الليل والصبح معركيكر علينا جيشه بالعجائب
*قيل هذا لقبه , وقيل اسمه ثوبان , وقيل الفيض , سمع وأسند أحاديث كثيرة من مالك والليث بن سعد وسفيان بن عيينه وابن لهيعة والفضيل بن عياض وغيرهم , عاش بمصر , وتوفي بالجيزة يوم الإثنين شهر ذو القعدة سنة ست وأربعين ومائتين , وكان زاهداً فقيهاً , وله جمل في المواعظ والأدب والزهد قل أن نجد لها نظيراً , من ذلك أن يوسف بن الحسين قال له من أجالس ؟ قال : علك بصحبة من تذكرك الله عز وجل رؤيته , وتقع هيبته على باطنك , ويزيد في عملك منطقه , ويزهدك في الدنيا عمله , ولا تعص الله ما دمت في قربه , يعظك بلسان فعله ولا يعظك بلسان قوله . وكان يقول : سقم الجسد في الأوجاع وسقم القلوب في الذنوب . وكان يقول : من ذكر الله على حقيقة ٍ نسى في جنبه كل شئ , , ومن نسي في جنب الله كل شئ حفظ الله عليه كل شئ .... وكان يقول : ما طابت الدنيا إلا بذكره , ولا طابت الآخرة إلا بعفوه ولا طابت الجنة إلا برؤيته . وكان يقول لا تثقن بمودة من لا يحبك إلا معصوماً .
انظر لابن الجوزي : صفوة الصفوة (4/315-321 ) طـ مكتبة التوعية الإسلامية , الجيزة نشرة دار الوعي بحلب , سوريا طـ 3- 1405 هـ - 1985م.
* التنين : حيوان اسطوري , وهو في الواقع حيوان من جنس الزواحف , يشبه في لدغه الثعبان - والله أعلم – انظر حول هذا المعجم الوسيط (1/93).
- انظر هذا الخبر عند الأبشيهي المحلي , محمد بن أحمد (ت850هـ) , المستطرف من كل فن مستظرف (2/189-190) دار إحياء التراث العربي , بيروت .