الجزء الأول
عرض :الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد بن حنبل

 

  الصفحة الرئيسية » تقريب التراث

اسم : الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد بن حنبل
كاتب :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد.

فإن الله تعالى تولى كتابه بنفسه فقال تعالى "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [الحجر : 9] ولم يكل ذلك إلى غيره فهو محفوظ بحفظ الله تعالى ، ومن حفظ الله تعالى للقرآن الكريم حفظه سبحانه وتعالى للسنة المطهرة والتى قال فيها الإمام "والسنة تفسر القرآن وهى دلائل القرآن فالله تعالى حفظ دينه بحفظ كتابه وسنة نبيه (صلى الله عليه وسلم) وهيأ الله سبحانه وتعالى فى كل زمان بقايا من أهل العلم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدع وأطلقوا عقال الفتنة. ومن هؤلاء الأعلام الذين نصر الله بهم الدين ورد بهم شبه الزائفين إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ونحن اليوم مع كتاب من الكتب التى رد بها على المبتدعة ألا وهو كتاب "الرد على الجهمية والزنادقة فيما شكوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله".

فتعالوا بنا بداية لنتعرف على هذا الإمام الجليل وهذا الكتاب المبارك.

أولا: المصنف:

(1)  اسمه ومولده:

هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس الشيبانى البغدادى حملت به أمه بمرو وقدمت بغداد وهى حامل به فولدته فى ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة (164هـ).

(2)  طلبه للعلم:

قال العليمى: كانت لوائح النجابة تظهر منه زمن الصبا وكان حفظه للعلم غزيرا وعلمه به متوفراً وسافر فى طلب العلم أسفاراً كثيرة إلى البلاد والكوفة والبصرة والحجاز ومكة والمدينة واليمن والشام والمغرب والجزائر وأرض فارس وخراسان ثم رجع إلى بغداد وساد أهل عصره ونصر الله به الدين.

وكان من أصحاب الشافعى وخواصه ولم يزل يصاحبه إلى أن ارتحل الشافعى إلى مصر وكان الشافعى يجله ويثنى عليه ثناء حسنا.

(3)  شيوخه وتلاميذه:

كانت لتلك الرحلات التى قام به الإمام أحمد فضل كبير فى التقائه بالكثير من العلماء والفضلاء وذكر من سمع منهم الإمام أحمد أمر عسير حيث يشق احصاء أسمائهم ويطول ذكرهم.

وقد ذكر الإمام المزى فى تهذيب الكمال مائة وأربعة من شيوخه وليس ذلك على سبيل الإحصاء منهم الشافعى وعبد الرزاق بن همام وسفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح والوليد بن مسلم ويحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدى وإسماعيل بن علية وأبو داود الطيالسى ومحمد بن جعفر غندر وغيرهم الكثير وروى عنه الكثير من العلماء منهم البخارى ومسلم وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والسجستانى وابناه صالح وعبد الله وأبو بكر المروزى وإبراهيم الحربى ويحيى بن معين وابن المدينى وغيرهم.

(4)  مؤلفاته:

كان الإمام أحمد لا يرى وضع الكتب وينهى عن كتابة كلامه ومسائله ولو رأى ذلك لكانت له تصانيف كثيرة تملأ الدنيا علما وصنف رحمه الله المسند، والناسخ والمنسوخ، والتاريخ، و "حديث شعبة"، و "المناسك"، و الإيمان والأشربة، والزهد، ورسالة فى الصلاة وفضائل الصحابة والرد على الجهمية وهو كتابنا إن شاء الله.

(5)  ثناء العلماء عليه:

وهذا بحر لا يُدرك قعره فلو تتبعنا أقوال العلماء فى الإمام أحمد لاحتجنا إلى العشرات بل المئات من الأوراق ولكن نذكر منها ما يلى:

قال ابن المدينى إن الله تعالى أعز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث بأبى بكر يوم الردة وأحمد يوم المحنة (أى عند فتنة خلق القرآن).

قال أحمد بن سعيد الدارمى ما رأيت أحداً أحفظ لحديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولا أعلم بفقهه ومعانية من أحمد بن حنبل.

قال أحمد بن إبراهيم الدورقى من سمعتموه يذكر أحمد بن حنبل بسوء فاتهموه على الإسلام.

قال الشافعى رأيت ببغداد شابا إذا قال حدثنا قال الناس كلهم صدق قلت من هو؟ قال أحمد بن حنبل.

قال أبو داود كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة لا يذكر فيها شىء من أمر الدنيا.

(6)  محنته:

لما ولى المأمون الخلافة صار إليه قدوم من المعتزلة وأزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل واحسنوا له القبيح إلى أن قال "بخلق القرآن" فاستدعى جماعة من العلماء والقضاة وأئمة الحديث ورعاهم إلى ذلك فامتنعوا فهددهم فأجاب أكثرهم مكرهين واستمر الإمام أحمد على الامتناع.

وقد تداول الإمام أحمد أربعة من الخلفاء بعضهم بالتهديد والوعيد وبعضهم بالحبس والضرب وبعضهم بالنفى والتشريد وبعضهم بالترغيب فى الرياسة والمال ولا يزداد الإمام إلا ثقة وإيمانا ويقينا حتى رفع الله عنه هذا الكرب وهذه المحنة وأصبح إماما للمسلمين.

(7)  وفاته:

قال ابنه صالح لما كان فى أول يوم من ربيع الأول سنة 241هـ حم أبى ليلة الأربعاء وبات وهو محموم يتنفس نفسا شديداً ومات يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول 241هـ.

ثانيا: الكتاب:

1-  إثبات صحة نسبة الكتاب لمؤلفه:

إن من أعظم الأدلة على ذلك:

أ- أن الإمام الخلال فى كتابه السنة نقل هذا الكتاب فيه وقال كتبت هذا الكتاب من خط (ابن أحمد بن حنبل) وكتبه عبد الله من خط أبيه.

ب- إثبات من ترجم للإمام أحمد الكتاب له كما فعل ابن مفلح فى المقصد الأرشد [1/372] وأبو يعلى فى طبقات الحنابلة [2/48] والذهبى فى السير [11/327-331].

ج- كثرة نقولات أئمة الصحة عن هذا الكتاب واستشهادهم به كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية كما فى مجموع الفتاوى [3 ، 66] ، [4/70] وابن القيم رحمه الله كما فى الصواعق المرسلة [1/178] وطريق الهجرتين [ص/523] وإعلام الموقعين [1/9].

2-  اسم الكتاب:

وردت تسمية الكتاب على أوجه مختلفة فى كلام أهل العلم وكذا على طرة النسخ الخطية فتارة "الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله" وتارة "الجورهة البهية فى الرد على الزنادقة والجهمية" وتارة كتاب "ما ضلت فى الزنادقة من متشابه القرآن" وتارة "الرد على الجهمية" والراجح تسمية الكتاب بالاسم الأول لأن مُثبت هذا الاسم هو ابنه عبد الله بن أحمد حيث قال هذا ما أخرجه أبى فى الرد على الزنادقة .... وهذا هو ما اعتمده شيخ الإسلام ابن تيمية فى غالب كتبه.

3-  سبب التأليف:

إن الذب عن حياض هذا الدين واجب على كل مسلم ولقد ظهر للمبتدعة صوت فى زمان الإمام أحمد وأخذ يشككون فى أصول الدين ويحرفون الكلم عن مواضعه فنهض الإمام أحمد للذب عن هذا الدين وبيان ضلال هؤلاء وسوء معتقدهم.

4-  أهمية الكتاب:

1)    أن الكتاب من أول الكتب المصنفة فى باب الرد على أهل الضلال والزندقة.

2)    أن مؤلفه هو إمام علم من أئمة المسلمين الذين عرفوا بالفضل والعلم.

3)    إدراك الإمام أحمد كل الشبهات التى يثيرها هؤلاء المبتدعة ثم تفنيدها والرد عليها.

4)    أن ردود الإمام أحمد جاءت مقتبسة من الكتاب والسنة بفهم سلف هذه الأمة بعيدا عن طريقة المتكلمين.

5-  منهج الكتاب:

إن الملاحظ فى أسلوب الكتاب ومنهجه عدة أمور:

أ- الحشد الهائل لقدر كبير من الآيات فى كل مسألة من المسائل حتى لا يترك للمخالف مجالا للرد.

ب- تارة يستخدم الإمام أحمد أسلوب الحوار فى الدر كأن يقول قال الجهمى كذا ورد عليه بكذا وكذا. وإن قال كذا قلنا له كذا و كذا ..

ج- وتارة يستخدم أسلوب حكاية كلام المخالف ثم الرد عليه كما قال مثلا "ثم إن الجهمى ادعى كذا وكذا فقل له كذا و كذا .....".

د- وتارة يستخدم أسلوب السؤال كما قال مثلا قلنا لهم: لِم أنكرتم أن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم؟ ألم يقل الله "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ" [القيامة : 22 ، 23].

6-  نسخ الكتاب:

أ- أما النسخ المخطوط: نسختان بدار الكتب المصرية. الأولى تحت قسم "تفسير طلعت عربى" رقم [326] والثانية تحت قسم "عقائد تيمور عربى" رقم [470]. وهى نسخة أخرى فى معهد المخطوطات العربية تحت رقم [101] كتب التوحيد والملل.

ب- أما النسخ المطبوعة: فله عدة طبعات منها

طبقة دار اللواء بتحقيق عبد الرحمن عميرة ، طبعة ابن الهيثم تحقيق محمد مهنى ، طبعة الشيخ محمد حامد الفقى ، وطبعة المطبعة السلفية ، طبعة دار المنهاج تحقيق خالد محمد عثمان وهى من أضبط الطبعات والله أعلم.

7-  أين يوضع الكتاب:

يوضع الكتاب فى قسم العقيدة.

نموذج لبعض الردود التى رد بها الإمام أحمد بن حنبل إلى الجمهية والزنادقة

لقد أنكر الجهمية مسألة من مسائل الاعتقاد ألا وهى رؤية المؤمنون الملك سبحانه وتعالى فى الجنة فأراد الإمام أحمد أن يوضح لهم فساد معتقدهم فقال الإمام أحمد: قلنا لهم لم أنكرتم أن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم؟

فقالوا لا ينبغى لأحد أن ينظر إلى ربه لأن المنظور إليه معمول موصوف لا يرى إلا لشىء يفعله.

فقلنا: أليس الله يقول "إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ" [القيامة : 23].

فقالوا: إنما معنى إلى ربها ناظرة أنها تنظر الثواب من ربها ينظرون إلى فعله وقدرته وتلو آية من القرآن "أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ" [الفرقان : 45]

فقلنا: إنها مع ما تنتظر الثواب هى ترى ربها.

فقالوا: إن الله لا يُرى لا فى الدنيا ولا فى الآخرة وتلو آية من المتشابه من قول الله عز وجل "لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" [الأنعام : 103].

قلنا: لقد كان النبى (صلى الله عليه وسلم) يعرف معنى قول الله تعالى "لا تدركه الأبصار" وقال "إنكم سترون ربكم" ([1]) فأيهما أولى أن يتبع النبى (صلى الله عليه وسلم) حين قال: "إنكم سترون ربكم" أم قول الجهمى حين قال لا ترون ربكم" والأحاديث فى أيدى أهل العلم عن النبى (صلى الله عليه وسلم) أن أهل الجنة يرون ربهم لا يختلف فيه أهل العلم وعن صهيب الرومى عن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال إذا استقر أهل الجنة فى الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن الله قد وعدكم الزيادة قال فيكشف الحجاب فيتجلى لهم ...." ([2]).

قال الإمام أحمد: فينظرون إلى الله لا إله إلا هو.

وقد قال تعالى "كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ" [المطففين : 15] فإذا كان الكافر يحجب عن الله فما فضل المؤمن على الكافر فالحمد لله الذى لم يجعلنا مثل جهم وشيعته وجعلنا ممن اتبع ولم يجعلنا ممن ابتدع والحمد لله وحده ([3]).

 

* وإلى اللقاء فى الأسبوع القادم – إن شاء الله – أستودعكم الله.



([1]) متفق عليه: البخارى (554) ، مسلم (633).

([2]) مسلم (181).

([3]) انظر الكتاب ص/90-95 بتصرف ط دار المنهاج.

اضيف بواسطة :   albasira       رتبته (   الادارة )
التقييم: 0 /5 ( 0 صوت )

تاريخ الاضافة: 11/06/2008

الزوار: 2266

طباعة


المتشابهة
السابقة
الشريعة
المتشابهة
التالية
السُنة للإمـام الخـلال
جديد قسم تقريب التراث
 
الْقَائِمَة الَبَرِيِدِيّة

سوف تصلك رساله تاكيد اشتراك على بريدك قم بالضغط
على اللنك الموجود بها لتفعيل اشتراكك في القائمة البريدية

تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني   
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
عدد الزوار
أنت الزائر :1525198
[يتصفح الموقع حالياً [ 60
الأعضاء:0 الزوار :60
تفاصيل المتواجدين

Powered by: mktbaGold 5.3
جميع الحقوق محفوظة لموقع البصيرة ©2011